في معرض القاهرة الدولي هذا العام مهرجان السينما، تم الكشف عن بعض المحادثات الأكثر نشاطًا خلال أيام القاهرة لصناعة السينما، حيث ظهر الإنتاج المشترك كواحد من أكثر الموضوعات الإستراتيجية للمهرجان. بين جلسة نقاش صريحة حول الموازنة بين الهوية ومتطلبات السوق وإطلاق المنصة الجديدة لصالون الإنتاج المشترك لشريك مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، Project Salon، أكد المهرجان التزامه بتحسين التعاون الإقليمي ومنح صانعي الأفلام العرب أدوات أكثر تنظيماً للتنقل في السوق الدولية.
خلال حلقة نقاش بعنوان “الإنتاج المشترك: بين الهوية والسوق”، قام صانعو الأفلام والمنتجون من جميع أنحاء المنطقة وأوروبا بتحليل واقع العمل عبر الحدود. افتتح المنتج والمخرج المصري علي العربي (“نقباء الزعتري”) بتذكير بأن الإنتاج المشترك ليس حلاً تلقائيًا لكل مشروع. وقال إن قيمتها تعتمد على ما يحتاجه صانع الأفلام حقًا، سواء كان ذلك تمويلًا أو خبرة أو حساسيات إبداعية مشتركة.
وأشار آخرون إلى المخاطر الكامنة وراء تلك القرارات. وشدد نائب الرئيس الأول للأعمال وتطوير المحتوى في Rise Studios زياد سروجي (منتج مشارك لفيلم “ذات مرة في غزة”) على أن صفقات الإنتاج المشترك يجب أن تُفهم على أنها مخاطر تجارية. ومع تحول الأسواق وتشديد الميزانيات، يتخذ المنتجون قرارات تجارية بقدر ما يتخذون قرارات فنية.
وأضافت المنتجة الأردنية رولا ناصر (إن شاء الله ولد) أن الشركاء الدوليين ليسوا ضروريين دائماً. وأكدت أن بعض الأفلام، خاصة تلك التي يصنعها صانعو أفلام ناشئون، تزدهر على وجه التحديد لأنها تظل متجذرة في السياقات المحلية.
ومع ذلك، فإن المشهد التمويلي يتطور بسرعة. وأشار المنتج النرويجي ديفيك جرافر (“أسوأ شخص في العالم”) إلى أنه في حين كان يكفي منتج واحد أو اثنين من المنتجين المشاركين، فإن مشاريع اليوم تعتمد في كثير من الأحيان على أربعة أو خمسة شركاء لتغطية مناطق مختلفة وتأمين مسارات التوزيع.
وصفت المخرجة المصرية مي زايد كيف يمكن أن يؤدي هذا التعقيد إلى التوتر الإبداعي. في فيلمها الوثائقي “Lift Like a Girl” الحائز على جوائز، حظيت باهتمام كبير من المنتجين الأوروبيين المشاركين، لكن بعضهم ضغط من أجل جداول زمنية سريعة أو تعديلات أسلوبية تعارضت مع نهجها البطيء القائم على المراقبة. في نهاية المطاف، دخلت زايد في شراكة مع المنتجين الذين فهموا إيقاع الفيلم، وهي تجربة عززت تصميمها على حماية رؤيتها حتى عندما كانت الخيارات الممولة بكثافة مطروحة على الطاولة.
في جميع أنحاء اللجنة، ظهر موضوع واحد في كثير من الأحيان: أهمية إنشاء فريق أساسي مستقر قبل التوسع في الإنتاج المشترك. وأكد ناصر أنه بغض النظر عن عدد الشركاء، فإن العلاقة بين المخرج والمنتج الرئيسي ترسيخ الفيلم بشكل إبداعي. وافق غرافر على ذلك، قائلاً إن المنتجين يجب أن يفهموا جوهر المشروع قبل التواصل مع المتعاونين الخارجيين. وعلى حد تعبيرها، يجب أن يكون المنتج المشارك المناسب “شخصًا ترغب حقًا في تناول العشاء معه”، وهو تذكير بأن التوافق مهم بقدر أهمية أوراق الاعتماد.
وناقش المشاركون أيضًا الفروق السياسية الدقيقة في التمويل الدولي. واعترف سروجي بأن بعض الصناديق الثقافية الأوروبية تأتي مصحوبة بتوقعات تحريرية، ولكنها توفر أيضًا وصولاً حاسماً إلى المهرجانات والأسواق والجماهير الجديدة. وأشار ناصر إلى أن دولًا مثل الأردن غالبًا ما تعتمد على خدمات ما بعد الإنتاج الأوروبية بدافع الضرورة، لكن القيام بذلك لا يعني بالضرورة التنازل عن الهوية الإبداعية.
تحذير مشترك آخر: تعرف على عقودك. تحدث العربي بصراحة عن تعلم دروس صعبة فيما يتعلق بالحقوق وتقسيم الإيرادات، في حين اعترفت ناصر بأنها دخلت مشاريعها المبكرة بفهم محدود لحقوق التأليف والنشر. والفكرة التي رددتها المجموعة هي أن المعرفة القانونية أصبحت الآن مهارة أساسية للمنتجين.
وتناقش الحضور أيضًا حول سبب بقاء الإنتاج العربي العربي المشترك أقل شيوعًا من التعاون مع أوروبا. قدم ناصر تفسيرًا خفيفًا ولكن معبرًا، قائلاً إن المنتجين في المنطقة “يحبون بعضهم البعض كثيرًا”، مما أدى إلى خلافات حول مواقع التصوير، وحقوق العرض الأول، وأولوية البث. وفي الأسواق ذات الجماهير الصغيرة للسينما المستقلة، يمكن أن تحمل هذه القرارات وزنًا غير متناسب.
صالون المشروع: أداة جديدة للتعاون
تم تضخيم تركيز المهرجان على الإنتاج المشترك من خلال إطلاق Project Salon، وهي منصة رقمية طورها صالون الإنتاج المشترك، شريك مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وهو مركز التواصل في الإمارات العربية المتحدة، على خشبة مسرح سوق القاهرة السينمائي. تسمح الأداة للمنتجين ذوي الخبرة بتحميل مواد المشروع الشاملة، بما في ذلك النصوص والميزانيات والجداول الزمنية والعروض التقديمية، وتحديد نوع الشراكة التي يبحثون عنها، بدءًا من التمويل المشترك وحتى التوزيع. لضمان المعايير المهنية، يجب أن تكون المشاريع قد حصلت بالفعل على ما لا يقل عن 10٪ من تمويلها وأن تأتي من منتجين لديهم عمل تجاري واحد على الأقل.
وفي منطقة يكافح فيها العديد من صانعي الأفلام للعثور على الشركاء المناسبين في الوقت المناسب، تهدف المنصة إلى تبسيط العملية. ومن خلال مركزية الترويج والتوفيق بين الناس وفرص التمويل في مكان واحد، يضع صالون الإنتاج المشترك نفسه كرابط رئيسي لصناعة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتضع مؤسستها هبة كريم هذه الفكرة كوسيلة لسد الفجوة بين الطموح الإبداعي والوصول إلى الأسواق، ومساعدة المنتجين العرب على المنافسة بثقة أكبر على الساحة الدولية.
تتناسب هذه المبادرة تمامًا مع الإستراتيجية الأوسع لـ CIFF. استقبل سوق القاهرة السينمائي أكثر من 20 مؤسسة عربية ودولية هذا العام، وأبرم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي مؤخرًا شراكة استراتيجية مع صالون الإنتاج المشترك لتوسيع فرص الإنتاج المشترك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وتعكس المحادثات الجماعية والبنية التحتية الجديدة معًا الصناعة التي تمر بنقطة تحول. يسعى المنتجون العرب إلى إقامة شراكات تحمي الهوية الفنية، مع توسيع نطاق الوصول الدولي. إن الإنتاج المشترك، الذي كان يُنظر إليه في المقام الأول باعتباره شريان حياة للتمويل، يتم الآن إعادة صياغته باعتباره أداة استراتيجية يمكنها تأكيد الأصالة الثقافية، فضلاً عن فتح أسواق جديدة.
وبينما يستثمر مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في المنصات والبرامج التي تعطي الأولوية للتعاون الشفاف والعادل، يبدو مجتمع صناعة الأفلام في المنطقة على استعداد لدخول مرحلة جديدة لا تشكلها التبعية، بل من خلال الإنتاج المشترك المتعمد والواثق والموجه بشكل متزايد نحو المنطقة.









