ويرى خبراء وباحثون أن هذا التوجه من شأنه المساهمة في انتشار اللغة الأمازيغية، وتعزيز حضورها في المجال الرقمي، والمساهمة في تطوير استخدامها في مختلف المجالات.
وتعد اللغة الأمازيغية من أقدم اللغات في العالم، وتنتشر في دول شمال إفريقيا كالمغرب والجزائر وتونس وشمال مالي وليبيا ومناطق أخرى في القارة الإفريقية، ويتحدث بها الملايين من الأشخاص من سكان هذه الرقعة الجغرافية، وتعتبرها العديد من الدول لغة رسمية للبلاد.
وتتفرع اللغة الأمازيغية إلى لهجات خاصة، وفي المغرب مثلا نجد “تشلحيت” و”تمازيغت” و”ترفيت”، ورغم خصوصية كل لهجة إلا أن الأصول واحدة، ونفس الأمر ينطبق على الدول الأخرى، وأسس المغرب المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية عام 2001 بهدف بناء لغة أمازيغية معيارية موحدة والسهر على إدماجها في الحياة العامة للمغاربة وتيسير إدماجها في المجال الرقمي.
ومع التطور الكبير الذي شهدته تقنيات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة، ظهرت مبادرات تهدف إلى إدماج اللغة الأمازيغية في التطبيقات الرقمية والنماذج اللغوية، وأصبحت بعض روبوتات المحادثة مثل “شات جي بي تي” و”غروك” و”جيميني” توفر الترجمة من وإلى الأمازيغية، فيما تساعد نماذج ذكية على إنشاء صور تتضمن حروفا ورموزا أمازيغية، إلى جانب إنتاج أغان ومحتويات صوتية بالأمازيغية، ما يعزز حضورها في الفضاء الرقمي الذي كانت على هامشه لسنوات طويلة.
الذكاء الاصطناعي واللغة الأمازيغية
وفي هذا السياق، قال مادغيس أومادي، الخبير الليبي في اللغة الأمازيغية، إن أهم “بادرة لإدماج اللغة الأمازيغية في الذكاء الاصطناعي قامت بها شركة غوغل الأميركية، وأدخلت الترجمة إلى اللغة الأمازيغية في روبوت المحادثة “جيميني”، ويعد هذا الأخير أفضل مترجم من وإلى اللغة الأمازيغية، ويعطيك خيارات عند الترجمة لاختيار إما ترجمة وفقا للغة المعيارية التي وضعها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في المغرب، أو اللغة الأمازيغية القبائلية في الجزائر”.
وأضاف مادغيس أومادي في حديث خاص لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن “علاقة الذكاء الاصطناعي باللغة الأمازيغية لا تقتصر على الترجمة والمساعدة على توليد النصوص، لكن الذكاء الاصطناعي يعطي أكثر من هذا، وأنا شخصيا استخدمت برنامج ذكاء اصطناعي يسمى “نيتن” للإجابة على الرسائل في الواتساب والحجز في المطاعم أو الفنادق، أتحدث معه باللغة الأمازيغية ويجيبني باللغة الأمازيغية”.
وأوضح المصدر ذاته أنه يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد الصور ومقاطع الفيديو والأصوات الموسيقية والأغاني الأمازيغية، مشيرا إلى أن إدماج اللغة الأمازيغية في الذكاء الاصطناعي سوف يساعد على انتشارها ويعزز حضورها في العالم الرقمي.
وفي ذات السياق، ذكر المتحدث ذاته أنه بفضل الذكاء الاصطناعي أصبح يمكن ترجمة محتويات الإنترنت، سواء المواقع بلغات أجنبية إلى اللغة الأمازيغية بكل سهولة وسلاسة واحترافية.
وتحدث مادغيس أومادي عن تجربته في بناء البرامج والتطبيقات الأمازيغية بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، وقال: “لعبة سكروبو في السابق كان يصعب أن تلعب مباشرة مع الكمبيوتر، أما الآن فيمكنك لعب لعبة سكروبو مباشرة باللغة الأمازيغية مع الكمبيوتر، وذلك بفضل الذكاء الاصطناعي، كما ابتكرت برنامجا للكلمات المتقاطعة باللغة الأمازيغية”.
ردا على سؤال بشأن إمكانية مساهمة الذكاء الاصطناعي في توحيد اللهجات الأمازيغية المنتشرة في شمال إفريقيا سواء في المغرب وتونس والجزائر وليبيا ومالي، قال مدغيس أومادي إن ذلك ممكن، مضيفا: “جميع اللغات يمكن استحداثها وتطويرها بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، ولو استخدم الناس هذا الأخير على الأمازيغية وباللغة الأمازيغية سيؤثر على تعاملهم مع لغتهم”.
معاجم فعالة
من جهته، قال عبد الله بوزنداك، الأستاذ الباحث في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في المغرب، إن الذكاء الاصطناعي مفيد للغة الأمازيغية ويطور المحتوى المكتوب بالأمازيغية المنتشر على الإنترنت، خاصة في مجال الموسيقى، مؤكدا أن الذكاء الاصطناعي سيساهم في بناء التطبيقات ومعاجم فعلية في تدريس اللغة الأمازيغية للكبار والصغار.
وأضاف بوزنداك في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في اللغة الأمازيغية “يمكن أن ينتج لنا لغة موحدة لكن على المدى البعيد، ولكن الآن نحن في حاجة إلى لغة موحدة داخل المغرب ومن ثم التفكير في لغة أمازيغية عامة وموحدة في شمال إفريقيا”، مضيفا أن المغرب يعمل على بناء لغة أمازيغية موحدة ويعمل على تعميمها على طول التراب الوطني وفي جميع الأسلاك التعليمية، مؤكدا أن ذلك سيسفر عن “لغة موحدة سيتقنها الأجيال القادمة”.
وفي ذات السياق أشار بوزنداك إلى أن الذكاء الاصطناعي سيساهم أيضا في انتشار اللهجة الدارجة المغربية وتطوير المحتوى الذي يعتمد عليها، خاصة في المجال الفني.
ضرورة الوعي باللغة الفكر الأمازيغيبن
ويقول ياسين أخياط، الخبير العضو في المجلس الوطني للجمعية المغربية للتبادل والبحث الثقافي التي تهم باللغة الأمازيغية، إن استخدام الذكاء الاصطناعي يشكل تحديا لجميع اللغات، إذ هناك لغات مثل الإنجليزية والصينية تعد أساس مجموعة من البرمجيات، وتبقى اللغات الأخرى مثل الأمازيغية على هامش هذا التطور بحكم أنها لغة محدودة في دول شمال إفريقيا.
وأوضح أخياط في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية” أن المؤسسات مثل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية تعمل على مبادرات لإدماج اللغة الأمازيغية في المجال الرقمي والتطبيقات الإلكترونية، بهدف تعميم اللغة الأمازيغية والنهوض بها.
وأشار أخياط إلى أن “اللغة الأمازيغية مثل اللغة الإنجليزية، فلا توجد إنجليزية واحدة بل تختلف من منطقة إلى أخرى”، مضيفا أن “الأمازيغية بحكم أنها مرت من التطور الأركيولوجي إلى الرقمنة مباشرة دون المرور من التراكم المعرفي خاصة في الكتابة، صعب على البرمجيات إدماج اللغة والثقافة والمحتوى الأمازيغي في أنظمتها”.
وأكد أخياط أن على الأمازيغ الإدراك والوعي بالهوية والفكر الأمازيغيين من أجل نقله إلى الذكاء الاصطناعي، مشددا على أن ما يقدمه الذكاء الاصطناعي ما هو إلا انعكاس لما يحمله الإنسان معرفيا ولغويا وهوياتيا.
وانطلاقا من الدورات وتعليم اللغة الأمازيغية لغير الناطقين بها التي تقدمها الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، أوضح أخياط أن الذكاء الاصطناعي يكون دائما حاضرا في النقاشات، مشيرا إلى أن هناك تطورا في الترجمة إلى الأمازيغية غير أن هناك بعض المشاكل في الترجمة من الأمازيغية إلى لغات أخرى، مبررا ذلك بأن الذكاء الاصطناعي لم يستوعب بعض اللغة الأمازيغية وبناءها ومفاهيمها ومعانيها.
وأفاد المتحدث ذاته، أن اللغة الأمازيغية عامة هي لغة واحدة، غير أنه لكل بلد في شمال إفريقيا لهجة خاصة، مؤكدا أن “التفاعل الرقمي باللغة الأمازيغية سيساعد في التراكم المعرفي لهذه اللغة، ويجب بلورة مركباته في العديد من الدول كالمغرب وليبيا والجزائر في هذا المجال، مؤكدا أن المغرب سيكون له دور كبير في الحفاظ على اللغة الأمازيغية كمكون إنساني للبشرية جمعاء”.
وبخصوص الدارجة المغربية أكد أخياط أن المعرفة التي يملكها الذكاء الاصطناعي بهذه اللهجة يقتصر على المحتويات السمعية والبصرية المنتشرة على المنصات الرقمية، مؤكدا أن تداولها واستخدامها في الذكاء الاصطناعي سيساعد على بقائها والحفاظ عليها في الفضاء الرقمي.
مبادرات خاصة
من جهة أخرى، قال محمد أيمن فرحي، مطور برامج الذكاء الاصطناعي في مجال اللغات قليلة المصادر في الفضاء الرقمي مثل اللغة الأمازيغية، إنه يعمل على بناء البرامج والآليات التي تساعد على معالجة اللغة الأمازيغية مثل تحويل الصوت إلى نص أو العكس، أو الترجمة الآلية.
وأوضح محمد أمين فرحي في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية” أنه اشتغل مع العديد من المنظمات لبناء برمجيات خاصة بالأمازيغية، منها منظمة مقرها في كتالونيا بإسبانيا، مؤكدا أن الهدف من هذه المبادرة هو المساعدة في تعلم وتوسيع انتشار اللغة الأمازيغية عبر توفير آليات لذلك، مثل برامج لتصحيح النطق والأخطاء وابتكار برامج للترجمة الفورية.


